الصالحي الشامي

46

سبل الهدى والرشاد

الباب التاسع في شجاعته ، وقوته صلى الله عليه وسلم قال الله سبحانه وتعالى : ( فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك ، وحرض المؤمنين ) [ النساء : 84 ] استنبط بعض السلف من الآية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مأمور أن لا يفر من المشركين إذا واجهوه ، ولو كان وحده . وروى أبو زرعة الرازي في دلائل النبوة عن أنس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( فضلت على الناس بشدة البطش ) ( 1 ) . وروى ابن سعد عن محمد بن الحنفية رضي الله تعالى عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشجع الناس ، وقال : فزع أهل المدينة ذات ليلة ، فانطلق الناس قبل الصوت ، فتلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا ، وقد سبقهم إلى الصوت ، وهو على فرس لأبي طلحة عري ، في عنقه السيف ، وهو يقول : لم تراعوا ، لم تراعوا ، ما وجدت من شئ ، وقال للفرس : وجدناه بحرا ، وإنه لبحر ، قال : وكان فرسه بطيئا فيه قطاف فما سبق بعد ، وهذا من جملة معجزاته صلى الله عليه وسلم كونه ركب فرسا قطوفا بطيئا فعاد بحرا لا يسابق ، ولا يجارى ( 2 ) . وروى الإمام أحمد ، وابن ماجة عن علي رضي الله تعالى عنه قال : كنا إذا حمي البأس ولقي القوم القوم ، اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما يكون منا أحد أدنى من القوم منه ( 3 ) . وروى عنه أيضا قال : لما كنا يوم بدر اتقينا المشركين برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان أشد الناس بأسا يومئذ ، وما كان أحد أقرب من المشركين منه . وروى ابن أبي شيبة عن البراء سأله رجل من قيس : أفررتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين ؟ فقال البراء : ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفر ، كانت هوازن ناسا رماة ، وإنا لما حملنا عليهم انكشفوا ، وأكببنا على الغنائم ، فاستقبلونا بالسهام ، ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته البيضاء ، وإن أبا سفيان بن الحارث آخذ بلجامها ، وهو يقول : ( أنا النبي لا كذب ، أنا ابن عبد المطلب ) انتهى ، وهذا ما يكون في غاية من الشجاعة التامة لأنه في مثل هذا اليوم في حومة الوغي ، وقد انكشف عنه جيشه ، وهو مع هذا مع بغلة ليست للجري ، ولا تصلح لكر ولا فر ولا هرب ، وهو مع ذلك يركضها إلى وجوههم ، وينوه باسمه ، ليعرفه من ليس يعرفه صلى الله عليه وسلم .

--> ( 1 ) الخطيب في التاريخ 8 / 70 وأورده ابن الجوزي 1 / 169 وانظر المجمع 8 / 269 ، 92 / 13 والبيهقي في السنن الكبرى 1 / 213 وفي الدلائل 5 / 475 وانظر البداية 6 / 70 . ( 2 ) الحديث عند البخاري 5 / 240 ( 2627 ، 6033 ) ومسلم 4 / 1802 حديث ( 48 / 2307 ) وأحمد 3 / 147 ، 261 . ( 3 ) انظر الجامع الكبير للسيوطي 2 / 302 .